محمد أبو زهرة

2109

زهرة التفاسير

رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] والنعمة الثانية عبر سبحانه عنها بقوله تعالت كلماته : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً . ويلاحظ أنه في النعمة الأولى قرر سبحانه وتعالى أنه جعل فيهم أنبياء ، أي جعل بعضا منهم أنبياء ، أما النعمة الثانية ، فقد قال سبحانه : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي لم يجعل الملك في بعضهم ، بل جعلهم جميعا ملوكا ، ولقد أول ذلك بعض العلماء بأن المراد جعل فيهم زعماء منهم مسيطرين على أمورهم ، موجهين لشئونهم ، كما طلبوا ذلك من بعد ، فقد قال الله تعالى عنهم : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . ( 246 ) [ البقرة ] . والمراد أن يبعث عليهم كبيرا يتبعونه في القتال ، ويظهر أن ذلك كان منهم من بعد موسى ومن قبله ، والقائد إذا كان من الشعب أو من الجماعة كانوا جميعا ملوكا ومسيطرين على أمورهم ؛ لأنه ينفذ إرادتهم ، ويسير مع إحساسهم ، ويعمل لمصلحتهم ما ظهر منها وما بطن . وقد يفسر الملك بأنه خروجهم في عهد موسى من ربقة العبودية التي فرضها عليهم فرعون ، فقد صارت لهم إرادة حرة ، وتوجيه لعامة أمورهم ، واختيارهم لحكامهم ، وبذلك صاروا ملوكا ، وفوق ذلك قد أوتوا رغد العيش وصاروا أحرارا في بيوتهم ، بعد أن كان فرعون يذبح أبناءهم ، ويستحيى نساءهم ، وفي الآثار أن الرجل إذا كان له ما يكفيه وأهله بالمعروف كان ملكا . سأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال عبد الله : ألك امرأة تأوى إليها ؟ قال : نعم ، قال ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم ، قال : فأنت من الأغنياء ،